اسماعيل بن محمد القونوي
407
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
التكليف لأنه لا يكون إلا عند كمال العقل فكأنه قيل انتهوا عن ذلك الشرك حال وجود أهلية التكليف فحينئذ يصح مفهوم المخالفة وهو أنه لا تكليف عند عدم الأهلية بخلاف الوجه الأخير لأن قيد الحكم وهو العلم بالمفعول المخصوص وليس مناط التكليف إنما مناطه العلم فقط وهو العقل الكامل فهذا القيد ح يفيد فائدة أخرى وهي التقريع سوى مفهوم المخالفة فلا مفهوم في مثل هذا ولو عند القائلين به وجعل الحال جملة اسمية لتفيد الدوام والثبات وتقديم المبتدأ على الخبر لتقوية الحكم دون الحصر إذ لا يناسب هنا فإن قلت صرف التقييد إلى نفس النهي يستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة قلنا قد سبق أنه لا يقتضي التخصيص لأن إسناد ما للبعض إلى الكل شائع في كلام البلغاء كإسناد القول إلى جنس الإنسان في قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [ مريم : 66 ] مع أن هذا القول مختص بالكفرة وقد صرح المصنف هناك عمومه إلى البررة والرضاء في مثل هذا ليس بشرط كما فهم من كلام هناك وقد صرح به « 1 » الفاضل السعدي على أن تخصيص الخطاب بالكفرة ليس بغريب مع عموم الخطاب أولا لأن تلوين الخطاب شائع لدى أولي الألباب فلا وجه لإشكال مولانا أبي السعود هنا مع أنه اعترف تبعا للشيخين في تلك الآية الكريمة كون المراد بالإنسان الجنس بأسره بطريق المجاز العقلي فلم لا يجوز أن يكون الحال هنا كذلك . قوله : ( واعلم أن مضمون الآيتين ) أي يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا إلى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] ( هو الأمر بعبادة اللّه تعالى ) أي الأمر بها إجمالا بعد الأمر بها تفصيلا بخصوصها كالصلاة والصوم وقد مر التوضيح فالأمر للوجوب ( والنهي عن الإشراك به تعالى ) أشار به إلى أن الراجح في أن لا تجعلوا كونه نهيا أو إلى أنه على تقدير كونه أن لا تجعلوا نفيا يكون المراد به النهي على وجه المبالغة ( والإشارة إلى ما هو العلة ) المشار إليها بقوله : رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ الآية . فإنه إشارة إلى علة الأمر بالعبادة لكونه من النعم الجليلة التي هي أسباب وجوب العبادات كما سيأتي ( والمقتضي ) . قوله : ( وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعارا بأنها العلة لوجوبها ) بأن الربوبية العلة لوجوب العبادة وجه الإشعار هو أن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية إذ هذا الوصف متقدم رتبة وإن تأخر ذكرا ولا يخفى عليك أن العلة والسبب ترادف النعم لوجوب الشكر بالعبادة صرح به أئمة الأصول وأشار إليه فيما مر حيث قال في قبيل قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً الآية . لأنها لما وجب عليه شكرا لما عدده من النعم السابقة لكن المتأخرين من أصحاب الأصول جعلوا الأوقات سببا لها مثلا في الصلاة والصوم وغيرهما وما قاله المصنف مذهب القدماء ومختار العظماء ومن هذا ظهر خلل ما قيل من أنه أورد الخبر معرفا باللام لإفادة القصر إلى آخره فإن كون تعريف الخبر باللام
--> ( 1 ) ومن هذا البيان إن تخصيص الخطاب بالكفرة ليس له وجه سري ونهج سوى كما ادعاه صاحب الإرشاد أبو السعود فإنه التخصيص خلاف الأصل .